لعله رمضان الأخير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
أخوتي الكرام :
في حياتنا الكثيرُ من لغة الأرقام المتنوعة التي تختلف نظرتنا لها واهتمامنا بها وتعاملنا معها.
فهناك أرقام نحفظها ونهتمُّ بها ولا ننساها، وفرق كبير عندنا بينها وبين غيرها من الأرقام، كتلك الأرقام التي نحبها ونفرح بها كأرقام الأموال التي نمتلكها في أرصدة البنوك أو كتلك التي ننتظرها بشغفٍ ولهفةٍ شهريًا كالرواتب ونحو ذلك.
وهناك أرقام لا نلقي لها بالًا ولا نهتمُّ بضبطها ولا بزيادتها أو نقصانها.
وهي أرقام كثيرة كساعات العُمْر التي تمرُّ في حياة الإنسان الغافل والبعيد عن الله، الذي لم يعِشْ مع القرآن والإيمان والشوق إلى الجنان والنظر لوجه الرحمن.
}وكلٌ في فَلَكٍ يسبحون{.
ولو تأملنا في جانب خاص من حياتنا لرأينا أن شهر رمضان قد أقبل على أمة الإسلام لهذا العام – ككل الأعوام – والناس على أشكال وأطياف وألوان مختلفة ومتباينة !!
فهل سألنا أنفسنا:
ماذا لو كان رمضان الأخير ؟!
ولو كان رمضان الأخير :
فهل سيكون كالرمضانات السابقة التي ذهبتْ وولَّتْ ولا ندري عن حالها بل عن عددها ؟!
بل تأمل معي في هذا السؤال الذي غالبًا ستتفاجئ به بمجرد قرائته والتفكُّر فيه، ولربما تجد صعوبة في الجواب عليه بشكل مباشر بلا عملية حسابية :
كم رمضانًا مرَّ عليك في حياتك على سبيل الوجوب منذ وعيتَ الإدراكَ وبلغتَ الحُلُم ؟!
عشرين ؟!
خمسة وعشرين ؟!
ثلاثين ؟!
أربعين ؟!
العبرة ليست بالرقم ذاته بل بما يحمله من حجج لك أو عليك عند الله تبارك وتعالى !!
أيها القراء الأفاضل :
سنوات وسنوات مرَّتْ من أعمارنا بما فيها من رمضانات، ولو افترضنا أن (20) رمضانًا مرَّ عليك فمعنى هذا أن حوالي (600) يومًا بما فيها من ساعات ودقائق وأحداث وتقلبات ومراحل قد مرَّت عليك، وبما فيها من رحمات نُثِرَتْ وأرزاق قُسِمَتْ وبركاتٍ أُعْطِيَتْ ودعواتٍ تُقُبِّلَتْ ودمعاتٍ سُكِبَتْ !!
فيا أيتها النفسُ التي أتعبتني وأغضبتْ ربي ومولاي :
توقفي عن الغفلة والعصيان وأزيحي عنك حجب التوهان واستعدي للإقبال على الرحمن قبل شهر رمضان وقولي بصدق: قد آن، قد آن !!
لا تجعلي أول ساعة من شهر الرحمة تدخلُ عليك إلا وقد اغتسلتِ بماء التوبة الطهور، واشتريتِ الجنة من التواب الغفور، وتجنبي طريقًا يقود إلى نارٍ تفور.
يا نفسي :
لن تنتفعي وربي بالأموال ولا بالبنين ولا بزخرف الدنيا ومغرياتها؛ فهي سراب وتباب وضباب.
لعله رمضان الأخير :
فليكن الأول في إقبالك على الله.
وفي صفحة جديدة مع القرآن الكريم.
وفي صلوات خاشعة ودعوات صادقة.
وفي أداء حقوق الرب وحقوق العباد.
قال تعالى :
}شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصُمْه.{
ليكن رمضان الأول في صومنا الحقيقي وتركنا للمنكرات والملهيات والمغريات.
ليكن رمضان الأول بعد أن نتحلل من حقوق العباد ونردَّها لهم.
ليكن رمضان الأول :
لقلب سليم طالما أشبعناه بالكُرْه والشحناء !!
ولسان عفيف عن الغيبة والكذب والنميمة وحصائد البهتان !!
وجوارح طاهرة تلوّثتْ بما أغضبَ الله عنها !!
}لمثل هذا فليعمل العاملون.{
ولا تنسَوا أخاكم المحب (وضاحًا) من دعواتكم الطيبة في ظهر الغيب كلما تذكرتموه، في حياته وبعد مماته.
اللهم إنا نسألك إيمانًا صادقًا وعملًا متقبّلًا وقلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا وذريةً طيبةً وحياةً ترضيك عنا.
اللهم انصرْ دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.
اللهم أصلحْ حال أمتنا واجمعْ كلمتها وقِهَا شرور الفتن والأهواء، وردَّها إلى دينك ردًّا جميلًا تعتزُّ به بين الأمم الأخرى.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم المحب :
وضاح بن سعيد الشعبي
12 يونيو 2014 ميلادية
14 شعبان 1435 هجرية
