يا أبنائي: الدنيا كالبحر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ذهبت في نزهة مع أبنائي إلى شاطئ البحر في يوم من الأيام الماضية، ووقفت معهم على الأحجار السوداء الكبيرة بل الضخمة التي تحجز أمواج البحر الهائجة عن الشاطئ الهادئ وما فيه من أماكن لجلوس الناس والعائلات، وكان الجو جميلًا، والهواء عليلًا، والمنظرُ خلّابًا حتى هجم عليّ شعور غريب وقتها جعلني أنادي أبنائي من حولي وطلبتُ منهم أن ينظروا إلى الأفق المترامي وللسفن البعيدة في البحر، وكانت السحب الداكنة المليئة بالأمطار فوق البحر توحي وقتها بجوٍّ ممطرٍ بعيدًا هناك في وسط الخليج…
أشرت بيدي إلى وسط البحر ثم قلت لهم يا أبنائي:
هذه الدنيا التي نعيش فيها تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ هذا البحر الذي نراه الآن أمامنا.
انظروا معي إلى البحر، وتأملوا ما سأقوله لكم، وفكروا فيه جيدًا.
(1) فالبحر جميلٌ في منظره، ومستواهُ واحدٌ ومتساوٍ كما ترون، ولونُهُ بديعٌ، وصوتُهُ محبَّبٌ للنفس و… لكنه أيضًا غدّارٌ وخطيرٌ ومميتٌ، وممتلىءٌ بالكثير من الحيوانات والمخلوقات، وفي أعماقه الشعابُ المخيفة والأوديةُ السحيقة، وتسكن فيه الكائنات الغريبة والخطيرة، وفي جوفه السفنُ التي غرقت وآلافُ البشر الذين ابتلعهم هذا البحر.
وهكذا هي الدنيا يا أبنائي:
ظاهرُها جميلٌ، وزينتُها حلوةٌ، تغري أحبابها وخُطَّابها للركض خلفها دون أن تخبرهم أنها تحمل لهم الكثير من المفاجآت والأخطار، والمصائب والأقدار التي قد تبغتهم وتبهتهم إن هم ركنوا لها، وتعلّقوا بها، ولم يأخذوا حِذْرهم منها.
(2) والبحر يا أبنائي لا يغامر بالدخول فيه من لم يستعدّ لذلك بتعلم الغوص والسباحة، والتدرب عليهما، وأخذ ما قد يحتاجه من مستلزمات وأدوات وإلا غرق ومات، وأكلته أسماك البحر.
وهكذا هي الدنيا يا أبنائي:
من انغمس فيها، وتقلَّب في أحوالها ودروبها، وعاشر أهلها فلا بد عليه أن يتزود بالإيمان بالله والتوكل عليه وحده لا شريك له، وما يتبعه من عملٍ صالحٍ وخاصة حفظ القرآن والاهتمام به، وأن يتحلى بالأخلاق الراقية والحكمة العالية، وأن يتسلَّح بأسبابٍ ماديةٍ صحيحةٍ من شهادات علمية ودورات أكاديمية ومؤهلات شخصية وقدرات تكون مجرد وسائل ليظفر صاحبها بحياة طيبة كريمة، قوامُها الحلالُ الصِّرفُ والمتاع الطيبُ الكافي دون أن يغرق في بحر الفقر والفاقة، والحاجة والمسألة، والمذلة وقهر الرجال، أو فعل الحرام وأكله.
(3) والبحر يا أبنائي مهما كنتم متقنين للسباحة فيه، ومهما كنتم محبين للغوص فيه والتمتع بمياهه فهو يظل مكانًا خطرًا لن يغنيكم عن الأرض واليابسة التي خلقنا الله للعيش عليها وعبادته فيها؛ ولذلك لو قضيتم في هذا البحر ساعة أو ساعات أو حتى أيامًا فلا محالة ستشتاقون لليابسة وأجوائها وتضاريسها، والرجوع لها، ولن تحتملوا رطوبة البحر وملوحته وأجواءه وهدوءه المخيف.
وهكذا هي الدنيا يا أبنائي:
مهما أعجبتكم وأفرحتكم، وتزينت في أنظاركم فهي ليست المستقر الأخير ولا دار المأوى لي ولكم، بل هي ممرٌّ للدار الآخرة حيث الجنان العالية والمنازل الغالية التي قال الله تعالى عنها: {ولنعم دار المتقين}، حيث فيها من النعيم المقيم (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)، وأعظم هذا النعيم هو النظر إلى وجه الله الكريم، والتلذذ بذلك والأنس به، ومرافقة رسولنا وأصحابه وآله وكل أنبياء الله وأوليائه.
نحن يا أبنائي أبناء الجنة الباقية ولسنا أبناء الدنيا الفانية.
ولذلك يا أبنائي ويا أحبائي:
تعاملوا مع الدنيا كتعاملكم مع هذا البحر، ولا تفهموا من كلامي هذا التزهيد التام في الدنيا، إنما صوابُ الأمر أن نتوسط في تعاملنا معها؛ فنأخذ منها ما تقوم به حياتنا الدنيا دون أن ننسى ربنا وديننا وآخرتنا، وليكن شعارنا:
(لنعمر الدنيا دون أن نهدم الآخرة).
وتذكروا دومًا يا أبنائي قول الله تعالى: {وللآخرة خيرٌ لك من الأولى}.
أحبتي القراء الكرام:
أكتب لكم هذه الواقعة مع أبنائي مع ضبط أكثر لمعانيها وأفكارها لأن الحديث المرتجل لن يكون بجودة المكتوب، ولعلي ذكرتُ لهم أوجه أخرى للشبه أكثر مما كتبته الآن، والنسيانُ في مقامٍ كهذا بلاءٌ، لكن الهدف الإشارة والتذكير، والحمد لله على كل حال.
أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الكلمات أبنائي الغاليين، وكل أبناء المسلمين، وأن يحفظهم من شرور الدنيا وتقلباتها، وأن يخرجنا جميعًا منها سالمين غانمين غير خزايا ولا مفتونين، وأن يفتح علينا من خيرها المباح ما يكون زادًا وبلاغًا إلى مرضاته وحسن ثواب الآخرة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبها:
وضاح بن سعيد الشعبي.
10 ديسمبر 2014 م.
